عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

77

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

في العناية بالمصحف ، وطريقته في التحوط البالغ عند كتابة المصاحف - ترد كل هذه الأباطيل ، ولو فرضنا أن عثمان تساهل في إصلاح اللحن ، أفيدعه جمهور المسلمين ، دون أن يصححوه ، وهم الذين لا يخشون في الحق لومة لائم ؟ ! ولقد كانوا ينكرون على الخلفاء فيما دون هذا ، فكيف يسكتون على مثل هذا ؟ ! الحق أنها روايات متهافتة ، لا تعارض الثابت في المصاحف ، المنقول نقل الجماعة عن الجماعة ، حتى وصل إلينا . 2 - ومن ذلك ، ما قيل : إن سعيد بن جبير كان يقرأ : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [ النساء : 162 ] ، ويقول : هو من لحن الكتاب . والجواب : أن هذه الرواية إن صحت عن سعيد ، فمراده باللحن اللغة ، وهو أحد معاني اللحن ؛ كما في القاموس ، وغيره : من كتب اللغة ، ولو كان يريد باللحن الخطأ ، لما قرأ به ، وكيف يقرأ بحرف يرى أنه خطأ ؟ ! وقد قرئت هذه الكلمة بقراءتين سبعيتين : قرأ الجمهور بالنصب ، وقرأ غير الجمهور بالرفع ، أما الرفع فظاهر ؛ لأنه معطوف على ما قبله ، وأما النصب فعلى الاختصاص للمدح ؛ لبيان فضل الصلاة ومنزلتها من شرائع الدين ، أي : أخص أو أمدح المقيمين الصلاة ، ولهذا الأسلوب في لغة العرب شواهد ، لا يحصيها العد ، وقد عقد له سيبويه في « الكتاب » بابا ، ويعجبني في هذا المقام ، ما قاله إمام من أئمة العربية والتفسير ، وهو الإمام الزمخشري ، في تفسيره قال : ( ولا نلتفت إلى ما زعموا : من وقوعه لحنا في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم في النصب على الاختصاص ، وخفى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة والإنجيل ، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام ، وذب المطاعن عنه ، من أن يتركوا في كتاب اللّه ثلمة ؛ ليسدها من بعدهم ، وخرقا يرفوه من يلحق بهم . ونحو هذا ألفاظ أثير حولها الطعون ، وهي مخرجة على لغات فصيحة من لغات العرب ، وقد شاء اللّه أن يكون في القرآن لغات من غير لغة قريش ؛ لأن القرآن للعرب جميعا ، لا لقريش فحسب . 3 - قالوا : روى عن ابن عباس في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [ النور : 27 ] ، أنه قال : إن الكاتب أخطأ ، إنما هو « تستأذنوا » ، وقالوا : إن هذا يدل على أن القرآن دخله بعض التحريف والتبديل ؛ بسبب الكتابة .